ابن خلكان
53
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
في النوم ، فقال له محمد فعجل لنا البشرى في أنفسنا وعرفنا أسعداء نحن أم أشقياء ؟ فقال له : أما أنت فإنك المهدي القائم بأمر اللّه ، ومن تبعك سعد ومن خالفك هلك ؛ ثم قال : اعرض أصحابك عليّ حتى أميز أهل الجنة من أهل النار ، وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد ، وأبقى من أطاعه ، وشرح ذلك يطول ، وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد ، فلما قتل من قتل علم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك « 1 » مراكش إليهم ، واغتنام أموالهم ، فسرهم ذلك وسلّاهم عن أهلهم ، وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة يطول شرحه ولسنا بصدد ذلك . وخلاصة الأمر أن محمدا لم يزل حتى جهز جيشا عدد رجاله عشرة آلاف بين فارس وراجل ، وفيهم عبد المؤمن والونشريسي وأصحابه كلهم ، وأقام هو بالجبل ، فنزل القوم لحصار مراكش ، وأقاموا عليها شهرا ، ثم كسروا كسرة شنيعة ، وهرب من سلم من القتل ، وكان فيمن سلم عبد المؤمن ، وقتل الونشريسي ، وبلغ محمدا الخبر وهو بالجبل وحضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه ، فأوصى من حضر أن يبلغ الغائبين أن النصر لهم ، وأن العاقبة حميدة فلا يضجروا وليعاودوا القتال ، وان اللّه سبحانه وتعالى سيفتح على أيديهم والحرب سجال ، وإنكم ستقوون ويضعفون ويقلون وتكثرون ، وأنتم في مبدأ أمر وهم في آخره ، ومثل هذه الوصايا وأشباهها ، وهي وصية طويلة . ثم إنه توفي إلى رحمة اللّه تعالى في سنة أربع « 2 » وعشرين وخمسمائة ، ودفن في الجبل ، وقبره هناك مشهور يزار ، وهذه السنة تسمى عندهم عام البحيرة ؛ وكانت ولادته يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، وأول ظهوره ودعائه إلى هذا الأمر سنة أربع عشرة وخمسمائة . وكان رجلا ربعة قضيفا أسمر عظيم الهامة حديد النظر ، وقال صاحب كتاب « المغرب في أخبار أهل المغرب » في حقه :
--> ( 1 ) المختار : وبشرهم بالقتال وأن ملك صاحب . ( 2 ) ق : خمس .